(( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا )) (61) مريم
________________________

في هذه الآية الشريفة يستعملُ القرآنُ الكريم فنّ المهارة البلاغية لتخيِّر العلاقة بين المعنى الأصلي (الحقيقي ) والمعنى المجازي
بحيث يكون المجاز العقلي في التركيب الإسنادي مُصوّراً للمعنى المقصود قرآنيا خيرَ تصوير
وليضعنا عند حقيقة الوعد الإلهي الحقيق بالتحقق والوقوع حتماً مَقضيا

ثمةَ أمرٍ مهمٍ جداً ساقته صياغة هذه الآية الشريفة في تركيبها الإسنادي المتجلي باستعمال اسم المفعول (مأتيا )
مكانَ اسم الفاعل ( آتيا )
وهذا الضرب البلاغي والبياني لهو مَكمنُ وسرّ بقاء القرآن الكريم خالدا ومُعجّزا
وما يستظهره العقلُ هنا أنَّ دلالة هذا الاستعمال المجازي تشي إلى حقيقة وهي أنَّ حَراك الإنسان المؤمن في تعاطيه مع الموعودات المُستقبلية يقع في منطقة إمكان التقريب والتعجيل في تحقيق الأمرِ الموعودِ به .

بمعنى أنَّ الآية الشريفة هذه تقدّم نسقاً من الاعتقاد يحكي عن أنَّ الإنسان المؤمن هو من يقترب ويتحرّك بإتجاه صيرورة الوعد الإلهي تنجزاً وتحققاً
وهذا معنى أبلغ من استعمال (آتيا) (اسم الفاعل )
لأنَّ ما يعطيه هذا الاستعمال دلالة ً هو من جانب التنجيز للوعد فحسب
تنبه له الإنسان المؤمن أو لم يتنبه .
كما في قوله تعالى في الحقيقة الكليّة و الاطلاقية


((إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ )) (134) الأنعام

بخلاف ما يقدّمه استعمال (مأتيا ) اسم المفعول وصفاً واسناداً
من بيان امكان التنجيز للوعد من قريب في الموعودات المُنتّظَرة تحققا ووقوعا .
إذا ما تنبّه الإنسان المؤمن في إقباله على الأمر الموعود به اعتقاداً ومنهجا وسلوكا

وفرقٌ بين أن يكون الوعدٌ أتياً في تحققه الحتمي وبين أن يكون مأتياً في تحققه الاقتضائي بفعل اقبال الإنسان المؤمن عليه اختياراً وبقصد واعٍ وبسبيل مستقيم .

وعلى أساس ما تقدّمه هذه الآية الشريفة من امكان اشراك ارادة الإنسان المؤمن في تقريب وتعجيل الأمر الموعود به مستقبلاً
يكون من الواجب العقدي والعقلي أن يقبل المؤمن على ما ينتظره بحَراكِ جدي على مستوى نفسه أو مجتمعه .
لا أن ينتظر التغيير من دون أن يكون له حظاً فيه بما يكون في مصلحته إن لم يكن يضرّه من حيث لايشعر .


__________________________

مرتضى علي الحلي / النجف الأشرف