لقد أفتى بذلك الشيخ الفقيه الزاهد خضر بن شلّال آل خدام العفكاوي (رحمه الله)، المتوفى سنة 1255 هـ، وهو من أجود تلامذة الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء النجفي، كما حضر على نجله الشيخ موسى، وصحب السيّد محمّد مهدي بحر العلوم في حضره وسفره، وعاصر مشاهير العلماء في النجف كالشيخ محمّد حسن باقر صاحب (جواهر الكلام).
وكان (رضوان الله عليه) من أعاظم علماء الشيعة في القرن الثالث عشر، ومن مشاهيرهم بالبراعة في فقه آل محمّد (صلوات الله عليهم)، وكان من أتقى أهل عصره وأبرزهم في الزهد والصلاح والتقوى والورع وسلامة الباطن.
وقد جاءت فتواه في كتابه (أبواب الجنان وبشائر الرضوان)، في الفصل السادس (فيما يتعلّق بلعن قاتليه سيّما عند شرب الماء، ومزيد فضل النوح والبكاء والتباكي وإنشاد الشعر عليه، والإشارة إلى مَن بكى عليه من الأنبياء والأئمّة والملائكة والجنّ والإنس وكلّ مَن خلقه الله)، وقد أورد في ذلك روايات معتبرة عديدة، ثمّ قال بعدها:


... إلى غير ذلك ممّا ورد ـ فيمن قد اقشعرّت لدمائهم أظلّة العرش مع أظلّة الخلائق، وبكتهم السماء والأرض وسكّان الجنان والبرّ والبحر ـ من السيَر والآثار والأخبار الّتي قد أوردنا من كلّ فرقةٍ منها طائفةً تغني اللبيب، الّذي قد لا يشكّ في دلالة الأخبار المتواترة والآثار المتظافرة على مزيد استحباب اللطم على الرؤوس والصدور، ولبس السواد وإظهار الجزع، ونحوه ممّا قد يُتخيَّل منعُ المشتمل على اللطم وصورة الرقص والجزع منه، وهو في غير محلّه.
ودعوى وجود الدليل على حرمة اللطم والرقص والجزع مطلقاً في حيّز المنع، كدعوى أنّ اللطمَ المشتمل على الجزع وضرر النفس وصورة الرقص محرَّمٌ حتّى في تعزية الحسين (عليه السلام)، الّذي قد يُستفاد من النصوص ـ الّتي منها ما دلّ على جواز زيارته ولو مع الخوف على النفس ـ جوازُ اللطم عليه والجزع لمصابه بأيّ نحوٍ كان، ولو علم أنّه يموتُ مِن حينه، فضلاً عمّا لا يُخشى منه الضرر على النفس، الّتي قد تكون عند كثيرٍ من الناس أهونَ من المال الّذي قد قامت ضرورةُ المذهب على مزيد فضل بذله في مصابه وزيارته.
وكفاك لطمُ بنات الحسين (عليه السلام) وأخواته، وخمشُ وجوههنّ، وشقّ جيوبهنّ، وإظهار الجزع، مع احتمال عصمة بعضهنّ، وعدمِ النكير ممّن شاهد ذلك من ذوي العصمة، والسيرةُ القائمةُ على لطم الرؤوس على نحو يشبه الرقص، الّذي لا يحرم منه إلّا ما دخل في اللهو الخارج عنه اللطمُ على أهل البيت (عليهم السلام)، المقطوع بخروج اللطم عليهم والجزع لمصابهم عمّا قد يدلّ بعمومه على حرمة اللطم والجزع، الّذي قد مرّ تصريح الصادق (عليه السلام) بكراهيّته ما خلا مصاب الحسين (عليه السلام)، مع أنّه لا أقلّ من الشكّ الّذي يُرجَع معه إلى الأصول والقواعد الحاكمة بجواز ذلك كلِّه
(أبواب الجنان وبشائر الرضوان: 291 ـ بتحقيق وتعليق: الشيخ قيس بهجت العطّار، ط 1 سنة 1430 هـ، الناشر: مؤسّسة عاشوراء).